القاضي التنوخي
273
الفرج بعد الشدة
فصاح به : لا تفعل ، والحقني إلى دار أمير المؤمنين وسار خزيمة ، فدخل دار الرّشيد « 6 » ، ودخلنا معه إلى حيث جرت عادتنا أن نبلغه من الدّار ، فجلسنا فيه ، ومضى خزيمة يريد الخليفة ، وجاء حامد فجلس إلى جانبي . فقلت له : أصدقني عن خبرك ، والسّبب في جسارتك على خزيمة ، ولينه لك بعد الغلظة ، وعرّفته ما جرى بيني وبين خزيمة ثانيا . فقال : طب نفسا ، فما أبدي لك شيئا إلّا بعد بلوغ [ 125 م ] آخر الأمر . فبينما نحن كذلك ، إذ دعي حامد إلى حيث كان مرسوما بأن يدخله من يخلع عليه ، فتحيّرت فلم يكن بأسرع من أن خرج وعليه الخلع ، وبين يديه لواء قد عقد له على طريق الفرات بأسره ، فقمت إليه وهنّأته . وقلت : ولا السّاعة تخبرني الخبر ؟ فقال : ما فات شيء ، وودّعني ومضى ، فأقمت بمكاني إلى أن خرج خزيمة ، فسرت معه إلى داره ، فلمّا استقرّ ، دعاني ، فسألني عن أمور جرت . وقال : أظنّك أنكرت ما جرى من أمر حامد ؟ قلت : إي واللّه ، أيّها الأمير . قال : فاسمع الخبر ، اعلم أنّي كنت في نهاية الغيظ عليه ، وأمرت فيه بما علمته أمس ، فلمّا كان البارحة ، رأيته في النّوم ، كأنّه قائم يصلّي ، وقد رفع يديه إلى اللّه يدعو عليّ .
--> ( 6 ) من أهمّ الأسباب التي وطّدت قدم خزيمة بن خازم في دولة الرشيد ، أنّ الهادي كان قد خلع الرشيد وبايع لابنه جعفر ، فلما توفّي الهادي ، هجم خزيمة في خمسة آلاف مسلّح ، فأخذ جعفر من فراشه ، وقال له : واللّه لأضربنّ عنقك أو لتخلعنها ، وبكر من غد ، فأقامه على باب الدار في العلو ، والأبواب مغلقة ، فأقبل جعفر ينادي : يا معشر الناس ، من كانت لي في عنقه بيعة فقد أحللته منها ، والخلافة لعمّي هارون ( تاريخ الموصل لابن اياس الأزدي 262 ) .